السبت، 23 مايو، 2009

خبرات التعليم الأولى هي الأكثر ثباتاً وتطور المخ


خبرات التعليم الأولى هي الأكثر ثباتاً!!
تتطور القدرات العقلية بشكل أكبر خلال السنوات القليلة الأولى من العمر وذلك مع نمو المخ بشكل أسرع ثم ينمو المخ بعد الميلاد بسرعة تناقصية!

لاحظ التربويون والآباء أن الطفل الصغير يقبل على التعلم بنهم وأن خبرات التعلم الأولى هي الأكثر ثباتاً! والآن يقدم علماء الأعصاب التفسير البيولوجي لذلك:

قام د. Harry Chugans رئيس قسم الأعصاب الطفولي بدارسة نشاط المخ من الطفولة إلى البلوغ باستخدام أسلوب تصوير المخ ( PET ) ومراقبة استهلاك المخ للجلوكوز- فوجد أن مخ الطفل يمر بفترة تدفق نشاط هائلة بين 4 إلى 10 سنوات ويستهلك أكثر من ضعف الطاقة التي يستهلكها مخ الكبار وهذا يتوافق مع تلك الفترة من عمر الطفل الذي يستطيع فيها التعلم بسرعة وتقوى الارتباطات العصبية لديه وبعد سن العاشرة يبدأ استخدام المخ للطاقة في التناقص تدريجياً وبوصوله سن 16 سنة يشبه مستوى الكبار.

ويفسر هذا التدفق في نشاط المخ في هذه السنوات مرونته وقدرته الهائلة على إعادة برمجة نفسه بعد الإصابات الخطيرة ففي حالات كثيرة فقد فيها أطفال النصف الكروي للمخ بسبب حوادث أو تدخلات جراحية استطاع هؤلاء الأطفال تعلم المشي والكلام والكتابة مرة أخرى عن طريق الممارسة والعلاج فهناك وصلات عصبية زائدة تخصص لتعويض أي نقص في وظائف المخ – ويستطيع الكبار الذين فقدوا وظيفة مخية تعلم إعادة برمجة المخ ولكن بصعوبة أكثر ونجاح أقل.

وباختصار فإن المخ يبني نفسه خلال السنوات الأولى قبل سن العاشرة فيقيم الوظائف المطلوب القيام بها حسب المعلومات التي يستقبلها والتحديات التي يواجهها فيحدد توجه الطفل ويجهز الوسائل اللازمة لذلك ويصبح ما يتعلمه الطفل خلال هذه الفترة الهامة جزءاً من نظام الربط العصبي له.
مراحل تطور الدماغ
وبذلك يحدد ما يتعلمه الطفل في هذه السنوات توجهه بقية حياته، وقد لاحظ علماء النفس والتربية نفس الظاهرة من زاوية أخرى:

يتأرجح مستوى ذكاء الطفل خلال سنوات ما قبل المدرسة ويثبت بشكل عام بوصوله للبلوغ- السابعة عشر – تشير بعض الدراسات إلى تناقص أو تزايد طفيف خلال المرحلة الجامعية وما بعدها ولكن ذكاء الكبار سمة ثابتة عموماً، ويستمر الطفل في اكتساب المعارف والتعلم بعد سن 17 وقد يستخدم قدرته العقلية في الحصول على مزيد من المعارف والعمل المنتج وقد يضيعها ولكن بعد سن 17 لا يستطيع تغييرها بدرجة كبيرة ففرصة زيادة الذكاء والارتقاء بالقدرات العقلية تذهب عندما تنتهي الدراسة الثانوية.
ومؤشرات هذه الاكتشافات بسيطة وعميقة والمثير الذي تضيفه إلى بيئة الطفل يكون له أعظم النتائج خلال السنوات الأولى من عمره- ولا تؤدي نفس النتائج عند وصول المرحلة الابتدائية أو الثانوية.
المدارس الأميركية تجهل أهمية النمو العقلي المبكر
وإلى الآن لم يفهم نظام التعليم الأمريكي هذا الواقع – فالمدارس الأمريكية لا زالت تجهل أهمية النمو العقلي المبكر وتركز جهودها المكثفة على المرحلة الثانوية والجامعية عندما تكون قد انتهت فترة أعظم نشاط للمخ.
يقول د. Chugai متسائلاً: من هذا الأحمق الذي قرر أن يتعلم الصغار اللغة الأجنبية في المدرسة الثانوية؟ فنحن لا نهتم بالمبادئ البيولوجية للتعلم فأفضل وقت لتعلم اللغة هو عندما يكون المخ أكثر استعداداً لاستقبال كل الأشياء وأفضل وقت هو السنوات الأولى من العمر ما قبل المدرسة أو الابتدائي.
يصبح التعليم أسهل خلال فترة تشكيل وظائف المخ
هناك فترات هامة في عمر كل طفل يتم فيها تشكيل وظائف المخ ويكون تعلم هذه المهارات أسهل خلال هذه الفترات وأصعب بعد مرورها! هل تتذكر هذه التجارب القديمة التي كانت تبث في التلفاز والتي تفتح فيها البطة الصغيرة عيونها لأول مرة على مساعدة المعمل وتعتقد دائماً أنها أمها؟ تسمى هذه الظاهرة الأثر المميز ( Imprinting) وهذا مثال واضح يبين كيف أن المخ فُطر على استيعاب خبرات تعلم معينة في أوقات معينة! وبمجرد تسجيل هذه المعلومات الهامة في المخ يصبح من المستحيل محوها!.
فقد الخبرات التعليمية لا يمكن تعويضها أبداً
وتدل الدراسات كذلك أنه إذا فقد حيوان خبرة تعليمية هامة في وقت حاسم فإن هذا الدرس لا يمكن تعويضه أبداً!
عزلت بعض الطيور عن بيئة الغناء خلال الأسابيع الأولى من حياتها فلم تعش هذه الخبرة لذلك فهي لم تغن بشكل جيد أبداً بعد ذلك، بغض النظر عن اختلاطها بعد ذلك بالطيور المغردة! الحمل الوليد – عند فصله عن أمه عدة أيام بعد ولادته لن يتعلم أبداً إتباع القطيع مهما طالت فترة بقائه مع الغنم بعد ذلك!
يقول علماء الأعصاب الآن توجد مثل هذه الفترات الهامة من النمو الإنساني تماما مثل الوقت الذي يبدأ فيه تنظيم أجزاء معينة من المخ!
وبوجود المثير المناسب من البيئة الخارجية تبدأ خلايا المخ والوصلات العصبية فيما بينها بالارتباط والتجمع للقيام بوظائف معينة!
وبدون المثير المناسب تتوقف الخلايا والوصلات وتؤدي أعمالاً أخرى أو تذبل وتموت مع عدم القيام بالوظائف الأصلية.
المثير المناسب في الوقت المناسب
قام العالمان David Hubet ، Torm Wieset بتجربة تاريخية مع صغار مواليد القطط في السبعينات فأغلقوا إحدى عيون كل قطة بالخياطة وأعادوا فتحها بعد أسبوعين- ورغم أن العين كانت طبيعية إلا أن القطة لم تقدر على الرؤية باستخدام العيون التي كانت مغلقة! فبدون المدخلات البصرية لا يمكن أن تتكون الروابط بين العين والقشرة البصرية- ولكن عندما أجريت هذه التجربة مع قطة بالغة- لم تحدث هذه الظاهرة فالتجربة تعطي دليلاً واضحاً على أن المخ يحتاج إلى المثير المناسب من البيئة في الوقت المناسب لكي يعلم خلايا المخ وظيفتها.
وبناء على هذه المعلومات يقوم علماء الأعصاب باكتشافات مذهلة عن أثر الفترات الهامة في التعلم الإنساني وموعدها فقد أشار د. Chagani من خلال تكنولوجيا ( PET ) في تصوير عمل المخ إلى أن أجزاء عديدة من المخ تمر بفترات نشاط متدفق- في ترتيب محدد – تماما مثل تطور الوظائف التي تتحكم فيها هذه الأجزاء من المخ.
فعندما ينضج كل جزء من أجزاء المخ تحدد الفترة الأخصب للتعليم.
المواليد وحاسة البصر
تنضج الدوائر الحسية لدى الأطفال فالقشرة البصرية تمر بفترة نشاط قوي بين 2-4 شهور وفي الفترة التي يبدأ فيها الطفل في التحديق فيما حوله وكأنه يتشرب المعلومات البصرية.

فإذا فات الرضيع هذه الفترة من التعلم البصري فلن يتعلم أبداً أن يرى، وكان الدرس مفيداً للأطفال المولودين بالكتاراكت المياه البيضاء، حيث كان الأطباء ينتظرون لفترة حتى يشتد عوده ثم يقومون بإزالة المياه البيضاء ولكن يبقى الطفل أعمى للأبد، ولكن الآن يقوم الأطباء بإزالة الكتاراكت بأسرع ما يمكن قبل أن يبرمج المخ دون تعلم حاسة البصر.
وتنضج بين 6-12 شهراً، تلك الأجزاء من المخ التي تسجل وتتفاعل مع البيئة المحيطة- قبل زيادة القلق إلى معدل كبير وتقوم القشرة السمعية بنشاط قوي وارتباطات جديدة هائلة من الميلاد حتى سن 10 سنوات وترتبط بالقدرة على السمع والكلام وتعلم اللغة، فالطفل الذي ينشأ في البرية دون أي احتكاك بالبشر يسمى الطفل الوحشي ونادراً ما يتعلم الكلام إذا لم يمر بخبرات لغوية قبل سن العاشرة.
الفترات المميزة في حياة الطفل

وما زال علماء الأعصاب يبدؤون في تخطيط مناطق المخ التي تنغلق أمام أنواع التعلم الأكثر تعقيداً وفي أي وقت يتم فيه ذلك، ولكن علماء النفس والسلوكيين والآباء الحاذقين قد لاحظوا أن هناك فترات مميزة في حياة الطفل يكون أكثر استعداداً لتعلم المهارات الجديدة، فمثلاً: تشير كثير من الدلائل إلى أن تعلم عزف الآلات الموسيقية يكون أكثر سهولة من عمر 3-10 سنوات الأطفال الذين يتعلمون خلال هذه الفترة – يكون أداؤهم أفضل كثيراً من أولئك الذين بدؤوا في وقت متأخر وعدد قليل من الموسيقيين الذين وصلوا إلى مستوى الاحتراف بدؤوا في سن المراهقة أو بعدها.
نظرية الياباني سوزوكي SUZUKI
ويعتقد عازف الكمان الياباني الراحل Shin, ichi Suzuki أن الأطفال الصغار يستطيعون تعلم الموسيقى مبكراً في نفس وقت تعلم اللغة من خلال الاستماع والتكرار- وقد ابتكر أسلوباً لتعليم الصغار العزف على الآلات الصغيرة بمجرد ما يستطيعون إمساكها!
ويساعد الآباء بإيجابية هذا النظام فيشغل الأب مثلاً موسيقى رقيقة عند مهد الطفل ويركز كثيراً على العزف السماعي فالطفل لا يتعلم قراءة الموسيقى إلا بعد عدة سنوات! وقد انتقد هذا الاتجاه عند بداية ظهوره في الخمسينات إلا أنه كان له أثر لا يمحى على تعليم الموسيقى فأكثر من 300.000 طفل في 24 دولة يتعلمون الموسيقى على طريقة Suzuki وأصبح طبيعياً أن يبدأ الطفل دروس الموسيقى بين الثالثة والرابعة بينما كان في الماضي يبدأ في العاشرة أو الثانية عشر وهناك أدلة كثيرة تؤيد مبدأ وجود الفترات الخصبة لتعلم الموسيقى في السنوات الأولى – بدأ د. Chugani بدارسة البيانو مع ابنته عندما كان في العشرينات من عمره وكان عمرها أربع سنوات وتلقيا الدروس في نفس الوقت ومع نفس المعلم وقاموا بنفس القدر من التدريب ولكنها تقدمت كثيراً عنه- ويقول: أستطيع اليوم عزف الجيتار أفضل من البيانو رغم أنه مارس عزف الجيتار فترة قصيرة من حياته وتركها سنوات طويلة فقد غرست القدرة على عزف الجيتار في مخه عندما كان صغيراً بينما لم يحدث ذلك مع البيانو.


البيئة الثرية تغير خصائص المخ
تؤدي البيئة الثرية في الواقع إلى تغيرات في التشريح والخصائص الكيميائية لمخ الفأر – فإذا عدنا إلى الستينات- لاحظ علماء النفس في جامعة كاليفورنيا أن الفئران التي تربي في أقفاص مع وجود لعب وألوان وحواجز- كان وزن المخ عندها أثقل والقشرة المخية أسمك وتكون لديها شبكات عصبية أعقد وأوعية دموية أكثر من تلك التي تربي في أقفاص عادية! ومع كبر سنها تصبح هذه الفئران أقدر على التعامل مع التحديات الجديدة بلياقة أكثر.

لا يمكن أن نفترض بالطبع أن نتائج هذه التجارب على الحيوانات يمكن تطبيقها مباشرة على أطفال البشر- فلا يمكن القيام بمثل هذه التجارب المعملية على البشر- ولكن تزداد الأدلة على أن الخبرات المبكرة لا تسجل فقط في الخلايا العصبية ولكنها تشكل المخ وتعيد تشكيله إلى عضو أكثر قوة!

وقد وجد الباحثون في كلية طب Bayior أن الطفل الذي نادراً ما يلمس أو يلعب معه أحد يقل حجم مخه 25% عن الأطفال الآخرين.

ليست هناك تعليقات: